أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

500

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : لَئِنْ أَقَمْتُمُ هذه اللام هي الموطئة للقسم ، والقسم معها محذوف ، وقد تقدّم أنه إذا اجتمع شرط وقسم أجيب سابقهما ، إلا أن يتقدّم ذو خبر فيجاب الشرط مطلقا . وقوله : « لَأُكَفِّرَنَّ » هذه اللام هي جواب القسم لسبقه ، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه ، وهذا معنى قول الزمخشري أنّ قوله « لَأُكَفِّرَنَّ » سادّ مسد جوابي القسم والشرط ، لا كما فهمه بعضهم ، وردّ عليه ذلك . ويجوز أن يكون « لَأُكَفِّرَنَّ » جوابا لقوله تعالى قبل ذلك : « ولقد أخذ اللّه ميثاق بني إسرائيل ولما تضمّنه الميثاق من معنى القسم ، وعلى هذا فتكون الجملتان - أعني قوله : « وَبَعَثْنا » « وَقالَ اللَّهُ » - فيهما وجهان ، أحدهما : أنهما في محلّ نصب على الحال ، والثاني : أن تكونا جملتي اعتراض ، والظاهر أنّ قوله : « لَئِنْ أَقَمْتُمُ » جوابه : « لَأُكَفِّرَنَّ » كما تقدم ، وجملة هذا القسم المشروط وجوابه مفسرة لذلك الميثاق المتقدم . والتعزير : التعظيم ، قال : 1718 - وكم من ماجد لهم كريم * ومن ليث يعزّر في النّديّ « 1 » وقيل : هو الثناء بخير ، قاله يونس ، وهو قريب من الأول . وقيل : هو الردّ عن الظلم قاله الفراء . وقال الزجاج : « هو الردع والمنع » فعلى القولين الأولين يكون المعنى : « وعظّمتموهم وأثنيتم عليهم خيرا » ، وعلى الثالث والرابع يكون المعنى : « ورددتم وردعتم سفهاءهم عنهم . قال الزجاج : « عزّرت فلانا » : فعلت به ما يردعه عن القبيح ، مثل نكّلت ، فعلى هذا يكون « عَزَّرْتُمُوهُمْ » رددتم عنهم أعداءهم » . وقرأ الحسن البصري : « بِرُسُلِي » بسكون العين حيث وقع وقرأ الجحدري : « وعزرتموهم » خفيفة الزاي وهي لغة . وقرأ في الفتح « 2 » : « وتعزروه » بفتح حرف المضارعة وسكون العين وضم الزاي ، وهي موافقة لقراءته هنا . وقوله : وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً تقدّم الكلام في « قَرْضاً » وفي نصبه في البقرة « 3 » . قوله تعالى : فَبِما نَقْضِهِمْ : تقدم الكلام على نظيره « 4 » ، وكذلك « سَواءَ السَّبِيلِ » « 5 » . وقرأ الجمهور : « قاسِيَةً » اسم فاعل من قسا يقسو ، وقرأ الأخوان : - وهي قراءة عبد اللّه - « قسيّة » بفتح القاف وكسر السين وتشديد الياء . واختلف الناس في هذه القراءة : فقال الفارسي : « ليست من ألفاظ العرب في الأصل ، وإنما هي كلمة أعجمية معرّبة » ، يعني أنها مأخوذة من قولهم : « درهم قسيّ » أي : مغشوش ، شبّه قلوبهم في كونها غير صافية من الكدر بالدراهم المغشوشة غير الخالصة ، وأنشدوا قول أبي زبيد : 1719 - لها صواهل في صمّ السّلام كما * صاح القسيّات في أيدي الصّياريف « 6 » وقول الآخر : 1720 - وما زوّدوني غير سحق عمامة * وخمس مىء منها قسيّ وزائف « 7 »

--> ( 1 ) انظر البيت في البحر ( 3 / 443 ) . ( 2 ) الآية ( 9 ) . ( 3 ) انظر تفسيرة الآية ( 245 ) . ( 4 ) انظر تفسير الآية ( 155 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، الآية ( 108 ) . ( 6 ) انظر المعرب ( 306 ) ، أمالي القالي ( 1 / 28 ) ، اللسان ( أمر ) . ( 7 ) انظر اللسان ( سحق ) .